اليوم 7
لا زلت أتذكر أول بطاقة معايدة وردتني عبر رسالة جوال عندما كان سعر التكلفة للرسالة القصيرة ٥٠ هللة. في ذلك الوقت، كان الناس يسطرون أروع التعابير الأدبية للتهنئة بمناسبة عزيزة كالعيد حتى وإن كلف الأمر أن تمتد هذه الرسالة لأكثر من ١٤٠ حرف، لتصل تكلفة الرسالة إلى ما يقارب الريال أو الريالين لكل مرسل إليه في بعض الأحيان. كنت أعتقد أن ذلك أقصى ما يمكن تقديمه من براهين المحبة والإخاء والصداقة الحقة. ربما كنت مخطئا حينها، لأنني عندما استمع إلى القصص التي تروى عن السابقين أجزم أن تلك الحقبة تمثل المعاناة الحقيقة والتحدي الأكبر للتواصل والمحافظة على الصداقات.
كان الناس في قديم الزمان لا يملكون العديد من الأصدقاء والمعارف، حيث أن الأبعاد الجغرافية تحتم على المرء التواصل مع من لا يبعدون أكثر من ١٠ كيلومترات (تقريبا) عن منطقة سكناهم. وبالتالي، فإن المرء يجد له العذر إذا ما انطوى على ثلة بسيطة من الناس لتكون هذه المجموعة الصغيرة هي أقصى إهتمامات الشخص، بل إنها المجموعة الوحيدة التي يتواصل معاها بشكل مستمر مهما تقدم العمر والزمان. حتى مع أن هذه الصداقات محتمة عليهم، إلا أنهم يجدون المتعة في المحافظة عليها.
مع مرور الوقت وتقدم التقنية وانحفاض تكلفة الرسالة القصيرة (أو إنعدامها مع وجود أساليب حديثة وشبكات تواصل مجانية)، أصبحت رسالة المعايدة لا تتجاوز ال١٤ حرف، وهي على الأرجح: “كل عام وأنتم بخير”. ما الذي تغير؟ هل أصبحنا ملولين إلى هذا الحد الذي لا نرغب فيه باستخدام أسلوب مختلف للتعبير عن صدق مشاعرنا؟ هل يمكن القول أن هذه هي لعنة التقنية؟ هل حان الوقت لنطالب بأن تعود رسوم التكلفة لنرى ذلك الإبداع والجمال في أساليب التواصل؟ أو أن نحلم بأن تنعدم التقنية كليا لكي نرى بصدق من يرغب في التواصل معانا والمحافضة على صداقته لنا؟
الأمر الذي استطيع أن استشفه من هذه التجربة أن الشبكات الإجتماعية ارهقت علاقاتنا الإجتماعية وحولتها إلى حمل وعبء اجتماعي أثر سلبا على طرق وأساليب تواصلنا مع الآخرين. لا يكاد يخلو حساب أحدنا في شبكة الفيس بوك وتويتر ولنكد إن من الـ (أصدقاء) إن صح التعبير. في المجموع لكل شخص، نجد ما يقارب ال٥٠٠ صديق ما بين أقرباء وأصدقاء دراسة وأصدقاء عمل وأصدقاء يشاركوننا نفس الإهتمامات بل وحتى معارف إلكترونية عشوائية لا تحدها حدود جغرافية ولا ثقافية. بالإضافة إلى ذلك، تكون لنا الحرية الكاملة في استكشاف العلاقات الجيدة والسيئة وذلك من خلال المساحة الشاسعة من النفوذ والتي تمكننا من اختيار أصدقائنا بالشكل الذي نريده في أي مكان من العالم. لكن الأمر ليس بهذه الصورة الإيجابية دائما، حيث أننا يجب أن نحتفل مع المئات من الأشخاص بالمئات من الأعياد والمناسبات الخاصة. وفي النهاية، عندما تصبح العملية معقدة ومرهقة، نجد أننا بين خيارين أحلاهم مر. الأول، أن يكون المرء شخصا تقليديا في تواصله مع هذا العدد الكبير من الأشخاص والمناسبات من خلال رسائل التهنئة المكررة والمملة. أو أن يكون شخصا متفرغا بشكل تام للحياة الإجتماعية ليستطيع أن يحافظ على مستوى تواصله بنفس الرتم المعتاد.
الخلاصة الوحيدة التي استطيع أن أجزم بها أن الأمور لم تعد كسابق عهدها، وأن الأصدقاء عليهم أن يكونوا أصدقاء حقا أو لا شيء.
Posted by: Mohannad Alrabiah | November 6, 2011
الشبكات الإجتماعية، ماذا تقدم لعلاقاتنا الإجتماعية؟
Advertisement
Posted in Uncategorized
Comments